لم تعد مشروبات الطاقة مجرد مشروب سريع يلجأ إليه البعض لمقاومة الإرهاق أو السهر، بل تحولت إلى صناعة ضخمة تستهدف الشباب بصورة خاصة، مستفيدة من إعلانات تربط هذه المنتجات بالقوة والنشاط والنجاح والقدرة على الإنجاز. لكن خلف هذه الصورة اللامعة يقف سؤال أكثر خطورة: هل نشتري النشاط مؤقتًا على حساب صحتنا؟
مشروبات الطاقة تعتمد في تأثيرها الأساسي على الكافيين والمنبهات الأخرى، وقد تحتوي أيضًا على كميات كبيرة من السكر ومكونات مثل الجوارانا والتاورين. ويشير مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة إلى أن هذه المنبهات يمكن أن ترفع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب والتنفس، كما توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بألا يتناول المراهقون مشروبات الطاقة. (مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها)
نشاط مؤقت.. وثمن قد يكون باهظًا
المشكلة أن المستهلك قد يشعر بعد تناول مشروب الطاقة بزيادة مؤقتة في اليقظة والنشاط، فيعتقد أن المنتج يمنحه طاقة حقيقية. لكن الكافيين لا يصنع الطاقة من العدم؛ بل يعمل بصورة أساسية كمنبه للجهاز العصبي، وقد يؤدي الإفراط فيه إلى اضطراب النوم والقلق وزيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم.
وتزداد المشكلة عندما يتحول الاستخدام الاستثنائي إلى عادة يومية، فيصبح الإنسان معتمدًا على المنبه ليستيقظ أو يعمل أو يذاكر أو يقود السيارة لمسافات طويلة.
وتشير مصادر طبية إلى أن التوقف المفاجئ عن الكافيين لدى بعض المستهلكين المنتظمين قد يصاحبه صداع وإرهاق وتهيج وصعوبة في التركيز، وهي أعراض تجعل البعض يعود إلى تناول المزيد منه. (publications.aap.org)
الخطر الأكبر.. القلب
ربما تكون أخطر علامات التحذير مرتبطة بالجهاز القلبي الوعائي.
فمراجعة منهجية نُشرت في 2025 وشملت 37 دراسة و1597 مشاركًا وجدت تأثيرات ملحوظة لمشروبات الطاقة على معدل ضربات القلب وضغط الدم وبعض مؤشرات تخطيط القلب، بما في ذلك إطالة فترة QTc في عدد من الدراسات. (PubMed)
وفي يونيو 2026، خلصت مراجعة منهجية تناولت مخاطر الكافيين على قلوب الأطفال والمراهقين إلى أن الجرعات العالية يمكن أن ترتبط باضطرابات في نظم القلب وتغيرات في تخطيط القلب لدى هذه الفئة العمرية. (PubMed)
وهنا يجب أن نكون دقيقين: هذا لا يعني أن كل من يشرب مشروب طاقة سيتعرض لأزمة قلبية أو وفاة، لكنه يعني أن الإفراط في تناول المنبهات ليس أمرًا يمكن اعتباره بلا مخاطر، وأن الخطر قد يكون أكبر لدى بعض الأشخاص، خصوصًا من لديهم عوامل خطورة قلبية أو يتناولون كميات كبيرة من الكافيين.
الشباب.. الفئة الأكثر تعرضًا
المثير للقلق أن صناعة مشروبات الطاقة تستهدف فئة الشباب بصورة واضحة، بينما يكون الجهاز العصبي والقلب في مرحلة نمو لدى الأطفال والمراهقين.
ووفق مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، تتراوح تقديرات استهلاك المراهقين لمشروبات الطاقة بين 30% و50% في بعض البيانات، بينما تؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن مشروبات الطاقة لا مكان لها في النظام الغذائي للأطفال والمراهقين. (مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها)
والسؤال هنا ليس فقط: لماذا يشرب الشباب هذه المنتجات؟ بل أيضًا: لماذا أصبحت مشروبات الطاقة جزءًا من ثقافة الشباب اليومية؟
الإجابة ترتبط بالإعلان، وضغوط الدراسة والعمل، والسهر، والرياضة، والرغبة في تحقيق أداء أعلى خلال وقت قصير.
السكر.. خطر آخر في العبوة
لا تتوقف المشكلة عند الكافيين. بعض مشروبات الطاقة تحتوي على كميات كبيرة من السكر، والاستهلاك المتكرر للمشروبات المحلاة يرتبط بزيادة الوزن وتسوس الأسنان ومخاطر صحية أخرى.
وتشير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن الإفراط في المشروبات السكرية يمكن أن يسهم في زيادة الوزن ومشكلات صحية، بينما يؤكد الخبراء أن الماء يظل الخيار الأساسي للترطيب لدى الأطفال والمراهقين. (publications.aap.org)
هل المطلوب منعها أم تنظيمها؟
المواجهة لا ينبغي أن تقوم فقط على تخويف المستهلك، وإنما على التوعية والشفافية والتنظيم.
يجب أن يعرف المستهلك كمية الكافيين الموجودة في العبوة بوضوح، وأن تكون التحذيرات الصحية ظاهرة ومفهومة، خصوصًا بالنسبة للأطفال والمراهقين. كما ينبغي ألا تتحول الإعلانات إلى وسيلة لإقناع الشباب بأن النجاح والقوة والقدرة البدنية مرتبطة بمشروب معين.
والأهم أن يدرك الإنسان أن النوم الكافي والغذاء المتوازن والماء والنشاط البدني هي مصادر أكثر استدامة للحيوية من الاعتماد المستمر على المنبهات.
الطاقة الحقيقية لا تأتي من علبة
قد تمنحك علبة مشروب الطاقة ساعات من اليقظة، لكنها لا تمنحك بالضرورة صحة أو راحة أو قدرة حقيقية على مواصلة الحياة.
المشكلة تبدأ عندما نستخدم المنبه لإخفاء الإرهاق بدلًا من معالجة سببه، وعندما يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى اعتماد.
مشروبات الطاقة ليست بالضرورة “سمًا قاتلًا” لكل من يتناولها، لكن الإفراط فيها والاستهلاك غير المسؤول، خصوصًا لدى صغار السن، يمكن أن يحمل مخاطر صحية حقيقية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل فتح العبوة:
هل نريد طاقة حقيقية تدوم.. أم يقظة مؤقتة قد ندفع ثمنها من صحتنا؟
بقلم / الكاتب الصحفي إبراهيم أحمد
+201006986154
+201111985026
Hemoahmed2@yahoo.com


لا تعليق