إبراهيم أحمد.. يكتب / متى يصبح راتب المعلم محل شبهة؟.. بين أمانة المهنة وحقوق التلاميذ

6

 

تُعد مهنة التعليم من أكثر المهن ارتباطًا بمستقبل المجتمع، لما يتحمله المعلم من مسؤولية في بناء شخصية التلميذ وتوصيل العلم والمعرفة إليه. ومع ذلك، تثار من وقت لآخر تساؤلات حول مدى استحقاق بعض المعلمين لرواتبهم في الحالات التي يحدث فيها تقصير واضح في أداء الواجبات داخل المدرسة.

ولا يصح إطلاق حكم عام بأن رواتب المدرسين «حرام»، إذ إن الأصل أن أجر الموظف مقابل العمل الذي يؤديه، ويختلف الحكم باختلاف الوقائع ومدى التزام المعلم بواجباته. لكن عندما يتحول التقصير إلى سلوك متكرر، ويُحرم التلميذ من حقه في التعلم الذي يتقاضى المعلم راتبه من أجله، فإن الأمر يصبح محل مساءلة مهنية وأخلاقية، فضلًا عن ضرورة التحقق من الجوانب القانونية والشرعية من الجهات المختصة.

عدم أداء الدور الأساسي داخل الفصل

من أبرز صور التقصير عدم قيام المعلم بشرح المنهج أو تقديم المحتوى الدراسي بصورة كافية، أو الاكتفاء بشرح محدود لا يساعد التلاميذ على فهم الدروس، بما يدفع بعضهم إلى البحث عن مصادر تعليمية بديلة خارج المدرسة.

فالمدرسة هي المكان الأساسي الذي يجب أن يحصل فيه التلميذ على حقه في التعليم، ولا ينبغي أن يشعر الطالب بأن الحصول على شرح كافٍ مرتبط بقدرته على دفع مبالغ إضافية خارج المدرسة.

التقصير في توصيل المعلومات

لا تقتصر مسؤولية المعلم على مجرد حضور الحصة، وإنما تشمل بذل الجهد المعقول في شرح المادة ومتابعة مستوى الطلاب والإجابة عن استفساراتهم، وفقًا لطبيعة المادة والمرحلة التعليمية.

وعندما يكون هناك تقصير متعمد أو مستمر في توصيل المعلومات، ثم يتم توجيه التلميذ بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى مجموعات دراسية خاصة للحصول على الشرح الذي لم يحصل عليه داخل المدرسة، فإن هذه الممارسة تستحق الفحص والمساءلة.

الضغط على التلاميذ للانضمام إلى مجموعات خاصة

من أخطر الممارسات التي يشتكي منها أولياء الأمور استخدام أساليب قاسية أو ضغوط نفسية مع التلميذ بسبب عدم التحاقه بمجموعة دراسية خاصة مع المدرس خارج المدرسة.

فالتلميذ لا ينبغي أن يشعر بأن مستقبله الدراسي أو علاقته بمعلمه أو درجاته مرتبطة بقدرته على دفع مقابل إضافي للدروس الخاصة.

ويصبح الأمر أكثر خطورة إذا شعر الطالب بأنه يعاقب أو يُهمش داخل الفصل لأنه اختار عدم الاشتراك في المجموعة الخاصة.

واجبات منزلية تتجاوز قدرة التلميذ

من حق المعلم تكليف الطلاب بواجبات منزلية تساعد على تثبيت المعلومات وتنمية مهاراتهم، لكن الواجبات ينبغي أن تكون مناسبة للمرحلة العمرية، وقدرات الطلاب، والوقت المتاح لهم.

أما تحميل التلميذ واجبات تفوق قدرته، أو تستنزف معظم يومه ووقت إجازته، فقد يحول العملية التعليمية إلى مصدر دائم للضغط والإرهاق، خاصة إذا اقترن ذلك بالتهديد بالعقاب أو خفض التقييم.

التهديد بدرجات التقييم

تقييم الطالب يجب أن يكون قائمًا على مستوى أدائه الفعلي، وليس وسيلة للضغط عليه أو إخافته.

ومن ثم فإن التهديد المستمر بحرمان التلميذ من درجات التقييم الأسبوعية، أو استخدام الدرجات كوسيلة للضغط عليه بسبب عدم الاستجابة لرغبات معينة، أمر يحتاج إلى مراجعة دقيقة من إدارة المدرسة والجهات التعليمية المختصة.

التهديد بالرسوب وصناعة الخوف

أخطر ما يمكن أن يحدث في البيئة التعليمية هو أن يتحول المعلم من مصدر للعلم والأمان إلى مصدر دائم للخوف.

فالتهديد المستمر بالتسبب في رسوب التلميذ، أو استخدام عبارات تخويف متكررة، أو خلق أجواء تجعل الطالب يذهب إلى المدرسة وهو يشعر بالرعب من المعلم أو من اليوم الدراسي، كلها ممارسات قد تؤثر سلبًا في الحالة النفسية للطالب وفي قدرته على التعلم.

راتب المعلم مسؤولية قبل أن يكون حقًا

راتب الموظف في المدرسة الحكومية ليس مجرد مقابل للحضور والانصراف، وإنما هو مقابل لأداء مجموعة من الواجبات الوظيفية التي حددتها القواعد المنظمة للعمل.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل راتب المدرس حرام؟»، وإنما: هل أدى المعلم العمل الذي يتقاضى راتبه مقابله؟

فإذا أدى المعلم واجباته بإخلاص، وشرح لطلابه، وتابع مستواهم، والتزم بالقواعد المنظمة للعمل، فلا يجوز اتهامه أو التشكيك في راتبه دون دليل.

أما إذا ثبت وجود تقصير متعمد أو استغلال للوظيفة أو الإضرار بحقوق الطلاب، فهنا يجب أن تتدخل الجهات المسؤولة للتحقيق، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفقًا للقانون واللوائح.

حق التلميذ في التعليم

التلميذ ليس طرفًا ضعيفًا يمكن تحميله مسؤولية الخلافات أو المصالح المالية بين الكبار. ومن حقه أن يدخل المدرسة وهو يشعر بالأمان، وأن يحصل على شرح مناسب، وأن يتم تقييمه بصورة عادلة، وألا يتعرض للضغط أو التخويف بسبب عدم حصوله على دروس خاصة.

وفي النهاية، فإن احترام المعلم وحقوقه لا يتعارض مطلقًا مع حماية حقوق التلميذ. بل إن الحفاظ على هيبة المعلم الحقيقية يبدأ من التزامه بأمانة المهنة، كما أن حماية الطالب تبدأ من توفير بيئة تعليمية عادلة وآمنة خالية من التخويف والابتزاز والتمييز.

التعليم أمانة، والراتب مقابل عمل، وحق التلميذ في التعلم لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة ضغط أو باب لتحقيق مكاسب خارج إطار المدرسة.

الكاتب الصحفي

إبراهيم أحمد

+201006986154

+201111985026

Hemoahmed2@yahoo.com

 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *